Wednesday, February 29, 2012

مقالي عن فيلم سودربرج "عدوى" في "القاهرة" 1 نوفمبر 2011

أسامة عبد الفتاح يكتب:
فيلم أمريكي ينشر "عدوى" الخوف في مصر
** وباء غامض يجتاح العالم والأمريكيون يثورون على حكومتهم بسبب نقص الطعام والدواء
** سودربرج يتجنب تقديم نموذج "البطل" الهوليوودي المعتاد الذي ينقذ البشرية من الفناء
إذا كنت تظن الفيلم الأمريكي "عدوى"، المعروض حاليا في مصر، إنتاجا هوليووديا كبيرا كفيلا بإبهارك وإمتاعك بإمكانيات ومفاتن العدد الكبير من النجوم المشاركين فيه، فلا تذهب لمشاهدته، لأنك لن تجد ما تريد.. أما إذا كنت تبحث عن فيلم جاد، مختلف، يتناول قضية مهمة بلغة سينمائية راقية، فستجد فيه ضالتك.. فالفيلم يقوم على فكرة فلسفية عميقة ملخصها أن الخوف من الوباء قد يكون أخطر من الوباء نفسه، وأسرع انتشارا منه، ولذلك فإن المقصود من اسمه قد يكون "عدوى الخوف" وليس "عدوى المرض".
يحتاج الفيلم، وهو أحدث أعمال المخرج الأمريكي الكبير ستيفن سودربرج، إلى مشاهد متمرس، يتحلى بالصبر وسعة الصدر، ولديه الاستعداد لتلقي الشرائط السينمائية بطريقة سرد مختلفة عما اعتاد عليه من أفلام هوليوود، ويتمتع بالقدرة على تقبل مشاهد قد يراها الكثيرون صعبة وصادمة، مثل سلخ فروة رأس إحدى الجثث بآلة كهربائية لتشريح الدماغ، ومثل اللقطات المتكررة لجثث متخشبة تخرج الرغاوي من أفواهها.. فالفيلم يدور حول الانتشار العالمي السريع لوباء غامض وشرس يقتل ضحاياه خلال أيام قليلة من الإصابة به.. ويقوم السرد على تتبع مسار أول ضحية للوباء، وهي سيدة أمريكية (جوينيث بالترو) تنقل الفيروس من هونج كونج - حيث كانت في زيارة عمل - إلى بلادها.. وخلال 135 يوما فقط، يصيب الوباء معظم أنحاء العالم، ويحصد أرواح 26 مليون شخص من مختلف الدول، في سيناريو كارثي مقصود تماما من سودربرج وبقية صناع الفيلم، الذين يريدون أن ينبهوا إلى أن الأمراض والأوبئة ليست أقل خطورة من الحروب والصراعات، ويمكنها أن تتسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة قد تفوق ما تسببه المواجهات المسلحة.
اليوم الثاني
يبدأ الفيلم من اليوم الثاني - وليس الأول - لظهور الوباء، ويستمر بين السرد العادي والفلاش باك حتى يقترب العدد من 140 يوما.. والجديد الذي يقدمه سودربرج أن الفلاش باك لا يتم عبر ذكريات إحدى الشخصيات، بل من خلال "السيديهات" التي تسجل تحركات السيدة الأمريكية في هونج كونج، والتي يفحصها الخبراء لكي يضعوا أيديهم على منشأ الوباء.. ولا يكشف المخرج عن سر اليوم الأول إلا في النهاية، حين يتضح أن فيروس الوباء تخلق من اتحاد فيروس قادم من الوطاويط مع آخر من الخنازير، وتصاب به السيدة الأمريكية بعد مصافحتها طاهيا أعد خنزيرا مصابا في وليمة احتفالية بهونج كونج.
يعيد "عدوى" إلى الأذهان الفيلم الأمريكي "آوت بريك"، الذي قدمه المخرج وولفجانج بيترسن عام 1995 من بطولة داستن هوفمان ورينيه روسو ومورجان فريمان، وكان يدور حول تفشي وباء "إيبولا" في ذلك الوقت.. لكن هناك اختلافات كبيرة بين الفيلمين تصب كلها في صالح فيلم سودربرج، حيث قام العمل القديم على البناء الهوليوودي التقليدي فيما يتعلق بأفلام الكوارث، والذي يتلخص في مقدمة تحتوي على تمهيد للكارثة وتقديم للشخصيات، ثم ذروة توضح حجم الكارثة وخطورتها، ثم خاتمة يتم فيها الانتصار على الوباء أو غيره من الكوارث.. والمهم في هذا البناء - من وجهة نظر صناع السينما الهوليوودية بالطبع - تقديم نموذج البطل الأمريكي الخارق الذي يتمكن، بقدراته الفائقة وذكائه الحاد، من مواجهة الكارثة وإنقاذ البشرية بمفرده.. والمهم أيضا تقديم نماذج إنسانية يتعاطف معها المشاهد، وتعريضها - خلال الذروة - للخطر، قبل إنقاذها في آخر لحظة بطريقة مثيرة لإحداث التأثير المطلوب، وحبذا لو كان من بينها من ترتبط بقصة حب مع البطل الخارق، حتى تكون الفرحة النهائية - بالحفاظ على حياتها وإنقاذ البشرية معا - فرحتين!
بناء مختلف
أما فيلم سودربرج، فيقوم على بناء مغاير تماما، شأن أفلامه السابقة المميزة، وأبرزها "ترافيك" عن تجارة المخدرات على الحدود الأمريكية - المكسيكية، و"إيرين بروكوفيتش" عن المياه الملوثة القاتلة في إحدى الولايات الأمريكية.. فقد اختار المخرج، الكبير مقاما والصغير سنا (48 عاما)، أن يعتمد في "عدوى" على أسلوب يقترب من التسجيل في الأفلام الوثائقية، حيث يتتبع يوميات انتشار الوباء والجهود العلمية والأمنية والسياسية لمكافحته من دون أن يشغل نفسه بالقوالب والكليشيهات الهوليوودية الجاهزة.. فلا توجد قصة حب ولا أي علاقة إنسانية أخرى من الممكن التعاطف معها والانشغال عن قضية الفيلم الأساسية، ولا توجد نماذج بشرية تتعرض لخطر الوباء ويجري إنقاذها في النهاية بأسلوب التشويق الهوليوودي المعهود، رغم مشاركة ستة من كبار النجوم في بطولة الفيلم.
وقد بدت لي هذه المشاركة تقديرا من هؤلاء النجوم لسودربرج وأهمية القضية التي يطرحها فيلمه، لأن الأدوار صغيرة ومختلفة تماما عما اعتادوه من "بطولة" في الأفلام الأخرى.. لدينا، على سبيل المثال، كيت وينسلت في دور طبيبة المكافحة التي تصاب بالوباء لمخالطتها المرضى، وتموت بكل بساطة مثلهم من دون أي تهافت درامي أو أي محاولة للعب بمشاعر المشاهدين ودفعهم للتعلق بأمل نجاتها.. وينسحب الأمر على بالترو، التي تؤدي دور أول ضحية للوباء، حيث تموت في الدقائق الأولى للفيلم ويقتصر ظهورها بعد ذلك على الفلاش باك.. كما ينسحب على مات ديمون في دور زوجها الذي يتمزق بين حزنه عليها وبين شكه في خيانتها له قبل وفاتها، وعلى لورانس فيشبيرن في دور رئيس مركز المكافحة، و"جود لو" في دور الصحفي والمدون المستقل الذي يفضح قصور إدارة الحكومة الأمريكية للأزمة، وماريون كوتييار في دور العالمة التي تذهب في مهمة استكشاف علمية إلى هونج كونج وتختطفها مجموعة من المصابين الصينيين بالوباء لضمان لفت النظر إليهم وحصولهم على العلاج اللازم.
بلا أبطال
والأهم أن سودربرج لا يشغل نفسه ولا مشاهدي فيلمه بنموذج البطل الأمريكي المعتاد الذي يكون له "فضل" إنقاذ البشرية من الفناء، بل لا يوجد في الفيلم أصلا أبطال بالمعنى السينمائي المفهوم.. وحتى عندما يتوصل الفريق الأمريكي إلى مصل للمرض، فإن ذلك لا يتم إلا بعد أن يتمكن الوباء من العالم ويزهق أرواح 26 مليون شخص، في إشارة واضحة إلى العجز الأمريكي في مواجهة القضايا الدولية الكبرى.
ويقودنا ذلك إلى بيت القصيد في الفيلم، وأهم محاوره، وهو تشريح المجتمع الأمريكي، وفضح أداء حكومته، حيث يمتد الفشل في إدارة الأزمة إلى داخل الولايات المتحدة، وتسود الفوضى معظم المدن المصابة بعد اكتشاف المواطنين نقص الطعام والأدوية المعالجة والبطاطين وغيرها من مواد الإغاثة، بل نفهم من حوار بين اثنين من المسئولين أن هناك نقصا حتى في أكياس حفظ الجثث.. ومع استمرار الأزمة، تتحول الفوضى إلى أعمال شغب عنيفة، حيث يقتحم المواطنون الغاضبون الصيدليات ومراكز المكافحة ويكسرون في طريقهم كل شيء بحثا عن الأدوية، بل يقتحمون منازل مسئولي هذه المراكز ظنا منهم أنهم يخبئون فيها الأمصال ليختصوا أقاربهم بها.. والغريب أن ذلك هو ما يحدث بالفعل، حيث يتجاوز رئيس مراكز المكافحة الترتيب المقرر لتطعيم المواطنين بالمصل ويعطيه لذويه قبل حلول دورهم بأشهر عديدة، مما يعني معاناة الولايات المتحدة من أمراض العالم الثالث مثل الواسطة والمحسوبية!
قدم سودربرج فيلما صعب التنفيذ، احتاج للتصوير في عدة مدن حول العالم، وقام على عدد لانهائي من التفاصيل الدقيقة التي توضح كيفية تطور الفيروس وانتقاله من شخص إلى آخر، والتي تطلبت عشرات اللقطات للأيدي والأفواه والأكواب والمقابض وكل ما يمكنه نقل العدوى، مما جعل المونتاج العنصر التقني الملحوظ في الفيلم، بعد نجاح سودربرج والمونتير في القطع بين هذه اللقطات بمهارة واقتدار

مقالي عن فيلم "إكس لارج" في "القاهرة" 22 نوفمبر 2011

أسامة عبد الفتاح يكتب:
"إكس لارج".. ملح السيناريو يفسد كعكة الفيلم
** أحداث غير منطقية تصيب المشاهد بالارتباك في نهاية العمل بلا أي مبرر درامي
** شريف عرفة يغير جلده.. وحلمي يبذل مجهودا خرافيا.. ودنيا تتراجع عن مستواها
أثناء مشاهدة "إكس لارج"، يكون كل شيء جميلا وممتعا حتى الجزء الأخير من الفيلم، حين تشعر أنه تم رش الملح على الكعكة الشهية من دون مبرر أو سبب، لتفسد وتضيع حلاوتها.. كنت شخصيا أجلس سعيدا في صالة العرض، مقتنعا بأنني إزاء أنجح محاولة مصرية لعمل الكوميديا الرومانسية، النوع السينمائي الذي يستعصى علينا مثل الخيال العلمي، وتبرع دول مثل الولايات المتحدة في صنعه.. وليس هناك سبب مفهوم لذلك، فالكوميديا الرومانسية لا تحتاج إلى إمكانيات أو تكنولوجيا متقدمة كالخيال العلمي، وكل ما تتطلبه: فكرة شيقة جيدة وسيناريو محكم متماسك يعتني برسم الشخصيات ويتعمق في علاقاتها ببعضها البعض، ثم إخراج رشيق وأداء تمثيلي راق.
كان "إكس لارج" يمتلك كل ذلك حتى الجزء الأخير، حين ترد جملة حوارية على لسان بطلته "دينا" (دنيا سمير غانم) لتهدم كل ما سبقها، وتجعلنا نشعر أننا إزاء فيلم آخر، غير ذلك الذي أحببناه وتفاعلنا معه على مدى ثلثي مدة العرض على الشاشة.. كما يطرأ تغير جذري غير مبرر ولا مفهوم على الإطلاق على شخصية الخال "عزمي" (إبراهيم نصر)، يجعلنا بدوره نفقد البوصلة التي نبحر بها في الفيلم، ونفقد التعاطف مع الشخصية التي أداها الممثل الكبير بحميمية واقتدار.
يستوحي السيناريست أيمن بهجت قمر شخصية بطله رسام الكاريكاتير البدين "مجدي" (أحمد حلمي) من فنانين عباقرة ومحبوبين راحلين، يتسمون بالبدانة وخفة الظل، ومنهم صلاح جاهين وكامل الشناوي، ووالده الكاتب الكبير الراحل بهجت قمر، حيث يرسم ملامح "مجدي" على شاكلتهم: موهوبا خفيف الدم وموضع ثقة أصدقائه، الذين يطلعونه على أدق تفاصيل حياتهم الشخصية ويستشيرونه فيها، بمن فيهم النساء المتزوجات، اللاتي يعتبرنه "أختا أو صديقة"، ويلجأن إليه شاكيات من أزواجهم، من دون أن يعبأ أحد بشكواه أو مأساته هو.. حتى الصديقة غير المتزوجة (إيمي سمير غانم) تشركه في محاولاتها المحمومة للعثور على عريس من دون أن تفكر فيه أو تضع في الاعتبار أنه يعاني من نفس مشكلتها.
إنسان وحيد
وهنا يكمن مفتاح الشخصية: الوحدة، فنحن إزاء شخص وحيد مهما تعدد أصدقاؤه وزملاؤه، يعود آخر النهار إلى بيته ليقضي الليل حبيس وحدته وجسده البدين، ولا يؤنس وحدته سوى "اللاب توب" - الذي يفتح له عالم مواقع التواصل الاجتماعي - وخاله، البدين بدوره، الذي يزوره بين الحين والآخر حاملا ما اجتمع الاثنان على حبه: الطعام.. وقد عبر المخرج شريف عرفة عن هذه الوحدة في واحد من أجمل مشاهد الفيلم، يتناول خلاله البطل إفطار رمضان واقفا في الشرفة وهو يتابع جيرانه - بمن فيهم البواب وأسرته - وهم يفطرون سويا في الجو الأسري الحميم الذي حرمته ظروفه منه.
وعن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، يجد "مجدي" ضالته، ويتوصل إلى الحبيبة التي يمكن أن تشاركه حياته، وهي "دينا"، صديقة طفولته التي سافرت منذ سنوات بعيدة إلى الخليج، وتستعد للعودة إلى مصر لاستكمال دراستها العليا، وتريد أن يكون أول من تقابله لدى وصولها إلى القاهرة.. لكنه يجبن عن مواجهتها بوزنه الزائد وجسده المترهل، ويقدم نفسه إليها على أنه ابن عمه.. وتتوالى الأحداث ليزداد تعلق الاثنين ببعضهما البعض، وتأتي اللحظة التي تعرف فيها الفتاة الحقيقة، ويصبح "مجدي" مطالبا بالتوقف عن الأكل وخفض وزنه، إلا أنه يرفض، في مشهد اختار شريف عرفة أن يحاكي خطاب تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، والذي ألقاه عمر سليمان، وبدلا من الرجل الشهير الواقف خلف سليمان، وضع المخرج البواب (محمد شرف) خلف أحمد حلمي!
ولا يفيق البطل ويقرر تغيير حياته إلا بعد أن يفقد خاله، الذي يموت متأثرا بمضاعفات السمنة، ويكاد أن يفقد حبيبته، التي ترفض أن ترتبط بشخص لا يتحلى بالإرادة.. كان من الممكن أن تتوقف حبكة الفيلم الدرامية عند هذا الحد، وكان ذلك في رأيي كافيا جدا لعمل فيلم جيد وغير منقوص، لكن صناع "إكس لارج" - وعلى رأسهم السيناريست - يفاجئوننا بتطورات غير منطقية بالنسبة لأحداث الفيلم، وخطوط درامية جديدة لا تتفق والخط الرئيسي للعمل، ومن شأنها إبعادنا وتشتيتنا عنه.. حيث يتضح فجأة أن السمنة هي موضوع رسالة "دينا" لنيل الماجستير، وتقول ل"مجدي" بكل قسوة إنه لم يكن بالنسبة لها سوى حالة تدرسها في إطار رسالتها.. ثم نعرف بعد ذلك - ويا للعجب - أن الخال هو من طلب منها - سرا - أن تقول له ذلك لكي ينتفض ويبدأ مسيرة خفض وزنه وتغيير حياته، بعد أن أبلغها بأن "مجدي" هو نفسه ابن عمه المزعوم!
تحول عجيب
ومصدر العجب هنا أن هذا الخال، الذي يضع خطة سرية محكمة لإنقاذ ابن شقيقته من مصيره، ليس هو الخال الذي تعرفنا عليه منذ بداية الفيلم، والذي لم يكن يفعل شيئا سوى التهام الطعام مع ابن شقيقته، وتشجيعه على تناول المزيد من الطعام، حيث لم يكن يزوره سوى حاملا شيئا ضخما يؤكل، العشرات من أرغفة "الفينو"، صينية عملاقة من البطاطس بالدجاج، أو كرتونتين من البيض يأكلهما الرجلان في وجبة واحدة.. وما أقصده أن الخال الذي تم رسمه وتقديمه لنا، لم يكن يعنيه من قريب أو بعيد أن يفقد ابن شقيقته وزنه، بل كان يشجعه على أن يبقى بدينا قائلا له إن البدناء دائما من العباقرة العظماء، مثل صلاح جاهين وكامل الشناوي، وإن الفتاة التي ستكن له حبا حقيقيا، لن يعنيها ما إذا كان سمينا أم لا.. بل أنه ليست هناك جملة حوار واحدة يقولها الخال للبطل بما معناه أنه من الأفضل أن يفقد وزنه، أو أنه يخشى عليه من مضاعفات السمنة التي يعاني هو شخصيا منها.. فكيف نصدق أنه من الممكن أن يتحول فجأة بعد ذلك لكي يصبح "ريجيم" ابن شقيقته شغله الشاغل، إلى درجة أنه يهدده بمقاطعته نهائيا إذا لم "يخس"؟
لم يكن هناك إذن أي تمهيد درامي للتحول الجذري الذي يطرأ على شخصية الخال، ولا لمفاجأة "دينا" الدراسية، مما يجعل المشاهد تائها في الجزء الأخير من العمل، يبحث بلا جدوى عن الفيلم الذي أحبه وتعلق به.. ويؤدي ذلك للأسف إلى إضعاف نهاية الفيلم، وعدم تفاعل المشاهد معها، خاصة أن العمل كله يعاني من بعض التطويل، وتتجاوز مدة عرضه ساعتين من دون داع، حيث كان من الممكن حذف نحو ربع ساعة منه بلا تأثير على الدراما أو تسلسل الأحداث.
عيب واضح
ورغم ذلك، يظل "إكس لارج" من أفضل المحاولات المصرية لصناعة الكوميديا الرومانسية، ومن أفضل أفلام المخرج شريف عرفة، الذي نراه هنا يعمل بطريقة مختلفة، أكثر حيوية وشبابا، ويستخدم تقنيات لم يكن معتادا عليها، مثل تقسيم الشاشة إلى أكثر من كادر، من دون محاولة للاستعراض التقني بالإكثار من حركة الكاميرا وألاعيب المونتاج كما كان يفعل في أفلامه السابقة.. ويؤخذ على المخرج أنه لم يتنبه لعيب واضح بمنطقة الوجه في ماكياج البدانة الذي يضعه أحمد حلمي، رغم أنه يستمر طوال الوقت على الشاشة، ويتمثل في فارق ملحوظ بين وجه حلمي وزائدة الماكياج عند الذقن.
ويشهد الفيلم أفضل أداء تمثيلي لأحمد حلمي في تاريخه، فقد قدم الدور بفهم وحساسية وعمق رغم أنه محروم من التعبير والأداء بواحد من أهم أسلحته: جسده الرشيق وحركته السريعة.. كما بذل مجهودا خرافيا في التمثيل مع تحمل الزوائد الجسدية الملتصقة به طوال الوقت، وبدا هذا المجهود واضحا في مشهد الملهى الليلي الذي أدى فيه رقصة صعبة - بماكياجه الثقيل - لا يمكن إتقانها إلا بالكثير من التدريب.. أما دنيا سمير غانم، فلم تكن في حالتها الفنية الجيدة المعهودة، ولم تستطع أن تنسجم مع أجواء الفيلم، حيث بدت طوال الوقت كأنها ضيفة عليه.. ولا تفسير لذلك - كما سبق أن أشرنا - سوى عدم حصول الشخصية التي أدتها على حقها من الرسم والتعميق في السيناريو.
ويحسب لصناع "إكس لارج" أنهم لم يأتوا ب"ملاحة 25 يناير" لكي يرشوا بعضا من الثورة على أحداث فيلمهم، بل تم التعبير بطريقة غير مباشرة عن الشباب المصري الذي ينتفض ثائرا على نفسه وعلى أوضاعه من خلال رمز الشاب البدين الذي يتمكن من تغيير واقعه وكسر قيود وحدته وإحباطه، فيما يرمز الخال العجوز إلى الجيل القديم الذي يفشل في ذلك فيرحل مفسحا الطريق للأجيال الجديدة

مقالي عن فيلم "تحرير 2011" في "القاهرة" 13 ديسمبر 2011


أسامة عبد الفتاح يكتب:

"تحرير 2011".. الثورة تصل إلى السينما أخيرا

** رؤية متزنة وتوثيق مهم لثورة يناير.. ومحاولة تاريخية نادرة لكسر "تابوه" الشرطة والاستماع لضباطها

** "الشرس" أفضل الأجزاء الثلاثة.. و"السياسي" أضعفها لأنه أقرب إلى البرنامج التليفزيوني الساخر

بعد عام الثورة الصاخب، الذي أثرت خلاله الأحداث السياسية المتلاحقة بالسلب على صناعة السينما، جاءت نهايات 2011 - وتحديدا يوم الأربعاء الماضي - لتحمل بعض الأنباء السارة للسينما المصرية.. ففي ذلك اليوم، بدأ عرض فيلمين مصريين مهمين حققا العديد من النجاحات الدولية: الروائي "أسماء" والوثائقي "تحرير 2011: الطيب والشرس والسياسي".. والأهم أن اليوم المذكور شهد، أخيرا، وصول روح ثورة 25 يناير وبشائر التغيير التي تحملها إلى السينما، بعد أن ظلت تلك الأخيرة بعيدة كل البعد عما يجري في مصر من متغيرات.

ولا يكمن وصول الثورة للسينما بالطبع في تناول "تحرير 2011" لأحداثها، بل في شجاعة التغيير التي تحلى بها منتجو وموزعو الفيلم ودفعتهم لعرضه تجاريا - وإن كان في ثلاث صالات فقط - في مواجهة الأفلام الروائية، في سابقة شديدة الندرة بتاريخ السينما المصرية.. وهنا لا أريد أن أقطع بأنه أول فيلم وثائقي مصري يعرض تجاريا، وأعتقد أن هذه المعلومة في حاجة لبحث دقيق - ليس هنا مجاله - لتأكيدها.

يتكون "تحرير 2011" من ثلاثة أجزاء تعرض في ساعة ونصف الساعة تقريبا: "الطيب"، والمقصود به الشعب المصري، من إخراج تامر عزت، و"الشرس"، في إشارة لجهاز الشرطة، من إخراج آيتن أمين، و"السياسي"، الذي يركز على الرئيس المخلوع حسني مبارك، من إخراج عمرو سلامة.. وبشكل عام، يعد الفيلم توثيقا سينمائيا مهما لثورة يناير سيحفظه التاريخ الذي لا يعترف بنشرات الأخبار، كما يقدم رؤية متزنة هادئة ليوميات وأحداث الثورة بعيدا عن التشنج السياسي ومحاولة استدرار تعاطف الجمهور بالمشاهد المؤثرة للشهداء والمصابين وعمليات الاعتداء المتعمد عليهم.. لكن ذلك لا يمنع أن عيون المشاهدين من الممكن أن تدمع - كما حدث معي - تأثرا بعظمة المصريين التي ينجح الفيلم في التعبير عنها من دون ادعاء أو "زعيق" سينمائي يجيد مخرجون آخرون ممارسته.

يوميات وشهادات

وفي إطار هذه الرؤية المتزنة، يسرد جزء "الطيب" يوميات الثورة من خلال شهادات عدد من أبطالها جرى اختياره بعناية شديدة ليعبر عن كافة التيارات والفئات التي شاركت في الثورة من دون الانحياز لإحداها على حساب الأخرى، في توازن يثير الإعجاب حقا.. فقد تابعت كاميرا تامر عزت واستمعت لأحد شباب الإخوان المسلمين، وناشطة ليبرالية "سافرة"، ومصور شاب قطع منحته لدراسة التصوير الصحفي في الدنمارك ليعود إلى مصر ويسجل مشاهد الثورة بالكاميرا، وطبيبة "محجبة" شاركت في إسعاف الجرحى بالمستشفى الميداني الذي أقيم خلال الثورة في زاوية مخصصة أصلا للصلاة.

وقد أعجبني أسلوب القطع المتوازي الذي استخدمه تامر - بمهارة مهنة المونتير التي يجيدها ومارسها في فيلمي "المدينة" و"المسافر" - للتنقل بين الشهادات في وقت تصوير الفيلم وبين اللقطات الحقيقية وقت حدوثها، والأمثلة على ذلك كثيرة، ومنها "الجزّامة" المستخدمة لوضع الأحذية في المسجد، والتي تشير إليها الطبيبة لتقول إنها استخدمت لحفظ الأدوات الطبية خلال الثورة، فيقطع المخرج عليها لنراها ممتلئة بهذه الأدوات وقت الأحداث.

أما الجزء الثاني، المسمى "الشرس"، فهو أفضل أجزاء الفيلم الثلاثة، ليس لتفوقه التقني، فالجزء الأول أفضل تقنيا، ولكن لفكرته الجيدة، وجرأته، وإقدامه على كسر "تابوه" تقليدي في حياة المصريين، وهو جهاز الشرطة، خاصة الأمن المركزي، بكل اللغط الذي أثير حوله، وكل الانتقادات التي وجهت له أثناء وبعد الثورة.. وهذه محاولة تاريخية نادرة للاقتراب من هذا الجهاز الحساس، وسبر أغواره، ومنح ضباطه فرصة التعبير - وليس الدفاع - عن أنفسهم، والإنصات جيدا لهم، بدلا من الاكتفاء بمهاجمتهم وانتقادهم بشكل جماعي وكأنهم كتلة واحدة صماء لا سبيل لتفتيتها.

نهاية موحية

ورغم أن ضابطين فقط يظهران بوجهيهما في الفيلم، أحدهما من جيل الشباب والآخر من جيل الوسط، ورغم أنه يجري تغطية وجهي ضابطين آخرين رفضا الإفصاح عن شخصيتيهما بالشاشة المظلمة و"الكاشات" البصرية، إلا أن ذلك لا يضايق المشاهد، بفضل المضمون القوي، والحوار الجيد الذي أدارته آيتن أمين، ولقطات أحداث الثورة التي تقطع عليها المخرجة أثناء حديث الضباط، وكأنها تعلق على كلامهم سلبا أو إيجابا.

واختارت آيتن نهاية موحية ومعبرة للجزء الخاص بها، حيث تسأل الضابط ذا الوجه المظلم عن ضرب البلطجية، فيفهم السؤال بطريقة مجازية، ويرد قائلا إن ضربهم ضروري لإحلال الأمن، فتعود لتوضح أنها تقصد الضرب الجسدي، فيصمت الضابط طويلا ثم يبتسم قائلا: "ماعرفش"، لتنهي المخرجة تحقيقها السينمائي، ولتظل معضلة الشرطة قائمة إلى حين إعادة هيكلة هذا الجهاز الحيوي.

ويعد الجزء الثالث، الذي أخرجه عمرو سلامة بعنوان "السياسي"، أضعف أجزاء الفيلم، وأقلها تأثيرا، بل يبدو غريبا عن العمل ككل، لأنه ينتقل فجأة من الأسلوب الوثائقي التسجيلي المتبع في الجزءين الآخرين، إلى أساليب البرامج التليفزيونية الساخرة الشائعة في القنوات الفضائية، وكأنه اختار طواعية التخلي عن اللغة السينمائية - المطلوبة في مثل هذا النوع من الأفلام - من أجل صناعة كوميديا سهلة قائمة على النكات والقفشات والصور المركبة المنتشرة في مواقع الإنترنت، إلى درجة أنه يضطر لكتابة عبارة "محتوى من الإنترنت" عليها من باب الأمانة، فضلا عن المسرحيات الكوميدية التي يستخدم لقطات منها هي الأخرى.



شخصيات محروقة

يتناول هذا الجزء شخصية الرئيس المخلوع حسني مبارك، ويتساءل عن سر تحوله إلى ديكتاتور رغم المؤشرات الإيجابية المشجعة في بداية حكمه، مثل إفراجه عن المعتقلين السياسيين وإعلانه أنه لن يبقى في الحكم أكثر من فترتين.. ثم يحدد المخرج، من وجهة نظره الشخصية، عشر خطوات - معظمها ساخر - قادت مبارك إلى طريق الديكتاتورية.. لكن المشكلة أن ذلك يتم بخفة شديدة لا تتناسب مع جدية الحدث، ولا مع باقي الفيلم الذي من المفترض أن يكون هذا الجزء الثالث مكملا له وخاتمة لأحداثه، حتى وإن كان منفصلا، ولو لم يكن هذا التكامل مطلوبا، لما وضعت الأجزاء الثلاثة في فيلم واحد، ولقدم كل مخرج فيلمه مستقلا.. كما كنت أفضل أن يكون عنوان هذا الجزء "الديكتاتور" بدلا من "السياسي"، لأن الحديث كله يدور عن ديكتاتور لا يتمتع بحس السياسي.

ويلجأ عمرو إلى شهادات عدد من الساسة والكتاب والأطباء النفسيين للتأكيد على وجهة نظره، ولا غبار على ذلك بالطبع، غير أن هذا الاختيار يؤكد للأسف الطابع التليفزيوني لهذا الجزء، لأن المصادر التي يلجأ إليها من الشخصيات "المحروقة" إعلاميا التي تظهر باستمرار في القنوات الفضائية، بعكس الشخصيات البكر التي يقدمها الجزآن الآخران، والتي تجعل متابعتهما ممتعة لأن هناك ترقبا دائما لما تقوله مصادرهما، في حين أن آراء شخصيات الجزء الثالث - ومنها الدكاترة محمد البرادعي ومصطفى الفقي ويحيى الرخاوي - معروفة سلفا وقيلت في أكثر من مناسبة سابقة.

ورغم هذه الملاحظات، يظل "تحرير 2011" من أفضل وأهم أفلام هذا العام، ومن أنضج الأعمال الفنية التي تعرضت لثورة يناير، لأنه يحاول أن يكون موضوعيا، وينجح في ذلك إلى حد كبير، بالنظر إلى صعوبة الموضوعية عند التطرق لقضية محسومة عاطفيا وسياسيا

مقالي عن فيلم "أسماء" في "القاهرة" 20 ديسمبر 2011


أسامة عبد الفتاح يكتب:

"أسماء".. أهم الأفلام المصرية في 2011

** دعوة للخروج إلى النور ومواجهة "عقدنا" ومشكلاتنا.. ودعوة أهم لقبول الآخر

من الممكن أن يكون لك - مثلي - ملاحظات فنية على فيلم "أسماء"، للمخرج والسيناريست عمرو سلامة، لكن من الصعب أن تختلف على أهميته، خاصة في هذا التوقيت التاريخي الذي يخوض فيه المصريون معركة تقرير المصير، ورسم ملامح المستقبل، والذي يخوضون فيه أيضا عدة اختبارات تتعلق بمدى قدرتهم على قبول الآخر، والأهم: مدى قدرتهم على مواجهة ومصارحة أنفسهم بأزماتهم ومشكلاتهم وعقدهم النفسية التي تراكمت عبر سنين من القهر والخوف.

"أسماء" ليس مجرد فيلم عن امرأة مصابة بمرض انهيار المناعة المكتسبة (الإيدز) وتسعى للحصول على حقها في العلاج، سواء منه أو من آلام المرارة المبرحة، بل ينطلق سلامة من هذه القصة البسيطة، التي يقول التتر بوضوح إنها قائمة على واقعة حقيقية، ليطرح أسئلة أعمق وأشمل عن المجتمع الذي تعيش فيه هذه السيدة، بدءا بأسرتها الصغيرة ووصولا إلى الوطن الكبير.. وبدا ذلك واضحا في النهاية، حين تفرغ بطلة المأساة (هند صبري) من مواجهة كل المصريين في برنامج "توك شو" فضائي، لتعود إلى مجتمعها الصغير وتواجه أسرتها وجيرانها الذين تحلقوا حولها بنظرات الذهول والدهشة، فيما ارتسمت على وجهها ابتسامة أمل من الممكن وصفها بأنها يائسة.

ومن فرط وضوح رسالة الفيلم والغرض الحقيقي من صنعه، بعيدا عن قصة مريضة الإيدز، من الممكن اتهامه بأنه مباشر، حيث توجه البطلة حديثها إلى المشاهدين، خلال البرنامج الفضائي، قائلة: "لو مت، فلن أموت من المرض الذي أعاني منه، بل من المرض الذي تعانون منه أنتم"، في إشارة للخوف والأنانية، والهروب من مواجهة الذات، والتواطؤ الجماعي على رفض كل آخر، ونبذ كل مختلف.. ويحفل الفيلم بالإشارات إلى هذه الأمراض المجتمعية، حيث يرفض جميع الأطباء والمستشفيات إجراء عملية المرارة لها خوفا من انتقال العدوى، كما يرفض زملاؤها في العمل بقاءها وسطهم لنفس السبب، مما يؤدي لفصلها.

تعبير بليغ

وقد أعجبني المشهد الذي تلقي لها فيه إحدى الزميلات بمبلغ من المال، تم جمعه لمساعدتها، على الأرض خشية ملامستها.. والمعتاد - كلاسيكيا - في مثل هذه المشاهد أن ترفض البطلة قبول المال بإباء وشمم وتنصرف، إلا أن سلامة يختار ما هو أفضل، حيث تنحني "أسماء" لتلتقط النقود، إلا أنها تقرر أن تشتري بها كلها مسكنات من إحدى الصيدليات، في تعبير سينمائي بليغ عن أن مساعدة المجتمع الشكلية لمثل هؤلاء المصابين قد تكون مسكنا مؤقتا لآلامهم، لكنها لا تكفي لحل مشكلاتهم، ولا تعد مساندة حقيقية لهم.

تأثر عمرو سلامة في بناء جزء كبير من فيلمه ببناء فيلم الأوسكار الشهير "المليونير المتشرد"، للمخرج داني بويل، والذي يقوم على استعراض أجزاء من حياة البطل أثناء خوضه مسابقات النسخة الهندية من البرنامج التليفزيوني "من سيربح المليون"، مما يتطلب الكثير من مشاهد العودة للماضي (فلاش باك)، وهو ما يحدث بالضبط في "أسماء"، حيث يتم العودة كثيرا لمشاهد من ماضيها أثناء استضافتها في برنامج التوك شو، بل أن الفيلم يقوم بشكل عام على "الفلاش باك".. والمشكلة أن ذلك لا يتم بالدقة المطلوبة في بعض المشاهد التي تسبق البرنامج، مما يجعل المتفرج في حيرة من أمره، يتساءل: هل ما يراه يحدث في الحاضر أم الماضي؟

وكما يستعرض "المليونير المتشرد" كواليس "من سيربح المليون" ويجعل من مذيعه شخصية أساسية تشارك في تحريك الأحداث، يحدث الشيء نفسه في "أسماء"، حيث ندخل كواليس البرنامج الفضائي مع مذيعه (ماجد الكدواني)، الذي يتحول إلى شخصية محورية تساهم في كسر عزلة البطلة، ويكون أحد عوامل إقناعها بالظهور في البرنامج لمواجهة الناس والإعلان عن مأساتها.

ميراث الخوف

وبعد أن طلبت "أسماء" إخفاء وجهها خلال البرنامج تحت وطأة الخوف التقليدي من "كلام الناس" وتأثير الفضيحة على أسرتها، تثور على ميراث الخوف عندما تدرك أنه وصل لابنتها - التي تتصل بالبرنامج وترفض الإفصاح عن شخصية والدتها - وتطلب من المذيع إضاءة وجهها، في دعوة مباشرة للخروج إلى النور ومواجهة مشكلاتنا، والتخلص إلى الأبد من النعامة الشهيرة التي تدفن رأسها في الرمال.

ويجعلني مضمون الفيلم أعتبره أهم عمل سينمائي مصري في 2011، ولا يعني ذلك أنه الأفضل، وليس من الضروري أن يكون الأفضل، فالمهم أن رسالته جاءت في الوقت المناسب الذي يحتاج خلاله المصريون إلى وقفة صادقة مع النفس، وإلى تعلم قبول الآخر، حتى لو كان "علمانيا كافرا" من وجهة نظر المتأسلمين، أو "إرهابيا متطرفا" من وجهة نظر الليبراليين.

قدم عمرو سلامة فيلما متماسكا إلى حد كبير، وإن أهمل الرسم الجيد لبعض الشخصيات، خاصة الأب الذي لا توجد مبررات درامية كافية لردود أفعاله، ولم ينقذ الشخصية سوى الأداء الجيد للممثل سيد رجب.. وهناك شخصيات زملاء البطلة في الجمعية الأهلية التي تساعدهم على تقبل المرض والتعايش معه، والذين يبدون جميعا وكأنهم قطعوا من أشجار، من دون أي عمق أو أبعاد إضافية.. كما عاب الفيلم اللجوء إلى دراما الصدفة في العديد من المواقف، مثل اكتشاف البطلة علاقة ابنتها الغرامية بأحد الشباب أثناء سيرها في الشارع.

حكم صائب

أما هند صبري، فبذلت مجهودا كبيرا وملحوظا في أداء الشخصية، ولعل ذلك ما دفع الكثيرين إلى ترشيحها لجائزة أفضل ممثلة في مهرجان أبو ظبي السينمائي الأخير.. والحق أنه يصعب على المرء أن ينتقد أداءها بعد أن بذلت هذا المجهود، لكن الحقيقة أن الشخصية أفلتت منها في العديد من المشاهد، حيث أدتها بأكثر من أسلوب وأكثر من طبقة صوت وأكثر من إحساس.. صحيح أن الشخصية تمر بأكثر من مرحلة وأكثر من تحول، لكن ذلك لا يعني أن ينفصل أداء كل مرحلة تماما عن المرحلة التي تليها، بل يفترض أن يكون هناك إحساس واحد يربط بين كل المراحل.. ويدفعني ذلك إلى القول بأن حكم لجنة تحكيم أبو ظبي صائب، رغم أنني لم أشاهد أفلام مسابقة المهرجان الأخرى، لأن أداء هند في هذا الفيلم لا يستحق جائزة في أي مهرجان.

والحكم الصائب الآخر لهذه اللجنة يتعلق بماجد الكدواني، الذي فاز بجائزة أفضل ممثل عن جدارة واستحقاق، فقد أدى باقتدار دور مذيع برنامج التوك شو الفضائي، ولم تفلت منه الشخصية لحظة واحدة، حيث حولها إلى شخصية من لحم ودم، من دون أن يتأثر أو يقلد طريقة مذيعي البرامج الفضائية المتواجدين على الساحة كما يفعل العديد من الممثلين

مقالي عن فيلم "ليلة رأس السنة" في "القاهرة" 27 ديسمبر 2011

أسامة عبد الفتاح يكتب:
"ليلة رأس السنة".. رسالة أمل في العام الجديد
** دعوة للتمرد على رتابة الواقع والعمل على تحقيق الأمنيات من صاحب "امرأة جميلة" و"عيد الحب"
** كثرة "الأعطال" في الفيلم ترمز إلى المشكلات التي تواجهنا والوقفة التي يجب أن يجريها المرء مع نفسه إذا تعرض لأزمة
يؤدي الفيلم الأمريكي "ليلة رأس السنة"، المعروض حاليا في القاهرة، المهمة التي صنع من أجلها بامتياز، حيث ينقل لمشاهديه الشعور بالأمل والتفاؤل، والذي قصد المخرج الكبير جاري مارشال وباقي صناع الفيلم التأكيد عليه ونحن نستعد لاستقبال عام جديد.. ولا يكتفي الفيلم بذلك، حيث يحقق أيضا لهؤلاء المشاهدين المتعة السينمائية المطلوبة - والأصل في صناعة الفن السابع - بالاستعانة بمجموعة ضخمة من كبار النجوم الذين فاز معظمهم بجوائز أوسكار، ومنهم روبرت دي نيرو وهيلاري سوانك وهال بيري وميشيل فايفر وسارة جيسيكا باركر والمطرب جون بون جوفي، بالإضافة لنجوم من الشباب المحبوبين مثل أشتون كوتشر وزاك إيفرون وكاثرين هيجل وجيسيكا بيل.
ولضمان توصيل الرسالة وتحقيق المتعة معا، ليس فقط في أمريكا ولكن في العالم كله، يختار مارشال أن يقدم فيلمه في قالب رومانسي / كوميدي بسيط وشجي وعائلي أيضا، وهو قالب يجيده ويكاد أن يكون متخصصا فيه منذ قدم تحفته "امرأة جميلة"، من بطولة جوليا روبرتس وريتشارد جير، عام 1990.. كما حرص - وبعناية شديدة - على أن يخلو عمله من أي مشاهد أو حتى ألفاظ خادشة للحياء ليستطيع كل أفراد الأسرة مشاهدته، من الصغار إلى الكبار.. فمن السهل جدا ملاحظة أن الفيلم يخلو من التعبيرات السوقية الأمريكية الشهيرة جدا حول العالم، ويعكس ذلك في رأيي تفوقا وثقة في النفس، فالمخرج الكبير يعتمد على الدراما القوية المتماسكة، وليس على البهارات الهوليوودية المألوفة.
ينتمي الفيلم إلى الدراما الأفقية، أو المستعرضة، التي تقوم على العديد من الخطوط الدرامية، والعديد من الشخصيات التي يجمع بينها زمان واحد، أو مكان واحد، أو حدث واحد.. والأفلام في هذه الحالة تكون مثل اللوحات التأثيرية، التي لا ترى سوى خطوط وبقع لونية متنافرة إذا اقتربت منها، لكن إذا ابتعدت عنها ونظرت إليها، وجدتها تشكل وحدة متكاملة.. وفي هذا النوع من الدراما، لا يوجد تصاعد رأسي للأحداث ذو تمهيد وذروة ونهاية، بل تظل الخطوط - أو البقع اللونية - تتسع وتتعمق حتى تحدث في النهاية التأثير المطلوب.
نظرة بانورامية
الزمان في فيلمنا واحد، وهو ليلة رأس السنة، حيث تدور الأحداث في أقل من 24 ساعة تبدأ صباح آخر يوم من 2011.. أما المكان، فرغم ما يبدو من تعدد المواقع، إلا أنها مثل مربعات الشطرنج، كلها مرسومة على رقعة واحدة، وهي هنا مدينة نيويورك، التي يعد الفيلم قصيدة في حبها، ويحرص على استعراض جمالها من دون أي إشارة لمواطن القبح، وهي كثيرة في هذه المدينة التي لا تنام.. ويلخص مارشال نظرته البانورامية المحبة لنيويورك في مشهد بليغ تزور خلاله شخصية "إنجريد" الرئيسية (ميشيل فايفر) متحفا يعرض مجسما كاملا للمدينة بحيث تبدو معالمها واضحة - وإن كانت صغيرة - أمامها وأمامنا.
وداخل نيويورك الكبيرة، تتضح وحدة المكان أكثر في مركز رئيسي يدور حوله الفيلم كله، وهو ميدان "تايمز سكوير" الشهير، الذي تدور فيه غالبية المشاهد، ويشهد الحدث الأكبر في الفيلم، الذي تتطلع لمتابعته معظم الشخصيات ومعظم سكان المدينة، وهو إنزال كرة رأس السنة المضيئة في الدقيقة الأخيرة من العام المنصرم، مع عد تنازلي يعلن عن بداية السنة الجديدة أمام حشد ضخم من الأمريكيين يشبه مليونيات مصر ما بعد الثورة.
يمسك السيناريو بالعديد من الخيوط التي ترتبط بشكل أو بآخر بحفل "تايمز سكوير".. فهناك "ستان" (روبرت دي نيرو) الذي يحتضر متأثرا بالسرطان وتكون أمنيته الأخيرة أن يشهد إنزال الكرة من فوق سطح المستشفى الذي يعالج فيه، وتخفف عنه الممرضة السمراء "إيمي" (هال بيري).. وهناك المطرب "جنسن" (جون بون جوفي) الذي يكلف بإحياء الحفل بينما يعاني من أزمة عاطفية مع حبيبته (كاثرين هيجل)، ولدينا عضوة فرقته المغنية المغمورة التي يتعطل بها المصعد وهي في طريقها للحفل، وتظل حبيسته لعدة ساعات بصحبة جارها "راندي" (أشتون كوشتر).. وترمز "كيم" (سارة جيسيكا باركر) للسلطة الأسرية التي تسعى ابنتها المراهقة للخلاص منها وحضور الحفل مع أصدقائها برغم معارضة أمها.. أما "إنجريد" (فايفر)، فتتمرد على واقعها الرتيب وتضع لنفسها قائمة أمنيات تريد تحقيقها بعد أن تستقيل من عملها، ومنها حضور الحفل في الميدان، ويساعدها على ذلك الشاب "بول" (زاك إيفرون) المليء بالحيوية والمرح.. وهناك "سام" (جوش دوهاميل)، وريث الثورة الضخمة، الذي تتعطل سيارته فيتأخر عن حضور الحفل السنوي لشركة أبيه الراحل.. وأخيرا هناك "كلير" (هيلاري سوانك)، مديرة حفل الميدان، التي تواجه مشكلة تعطل الكرة الكهربائية في منتصف اليوم وتصبح مطالبة بإصلاحها قبل حلول الليل وإلا فقدت وظيفتها.
أعطال كثيرة
وكما هو واضح، تتكرر تيمة "العطل" كثيرا في الفيلم: المصعد، السيارة، والكرة.. ويستغلها المخرج جيدا، ليس فقط لكي يرمز إلى المشكلات التي تواجه الأبطال وتعرقل مسيراتهم في الحياة، ولكن أيضا ليرمز إلى الوقفة التي يجب أن يجريها المرء مع نفسه إذا تعرض لأزمة، لكي يمنح نفسه - وغيره - فرصة أن يبدأ حياته مرة أخرى بشكل جديد ومختلف.. وعلى سبيل المثال، تتغير وجهة نظر وريث الشركة الكبرى في الحياة عندما يلتقي بأسرة رجل دين تولى توصيله بعد تعطل سيارته، وتتغير حياة المغنية المغمورة تماما بعد لقائها الطويل مع جارها في المصعد المتعطل.. وتعبر مديرة الحفل عن هذه الفكرة بشكل مباشر بعد تعطل الكرة، حيث توجه كلمة للجمهور المنتظر تقول فيها إن الكرة توقفت لكي تمنحنا فرصة إعادة حساباتنا ومراجعة كشف حساب العام المنصرم.
ومقابل حماس المخرج لهذه الأفكار الجادة، يدين الفيلم المظاهر التقليدية للاحتفال برأس السنة، ومنها رسائل التهنئة القصيرة عن طريق التليفون المحمول، والتي يقول "راندي" إن الكثيرين يرسلونها بشكل آلي لكل الأرقام التي لديهم رغم أنه قد يمر العام كله من دون أن يحدث اتصال حقيقي بين الطرفين.. كما يرفض الفيلم الزينة التقليدية التي تعلق في مثل هذه المناسبات، ويعبر عن ذلك بشكل بليغ عندما يجمعها "راندي" من أدوار العمارة التي يسكن فيها ليلقيها في القمامة، قائلا إن لائحة العمارة تمنع تعليقها.. وذلك كله هدفه التأكيد على أن الاحتفال الحقيقي برأس السنة يجب أن يكون بتحقيق الأمنيات ومنح الذات أملا جديدا وفرصة ثانية في العام الجديد مهما تأخر الوقت.. وكان هناك تخفيف كوميدي تولى الجانب الأكبر منه تنافس طريف بين أسرتين حول أسبقية ولادة طفليهما في اللحظات الأولى من 2012 للفوز بجائزة مالية مخصصة لذلك، وإن لم يخل هذا المحور من بعد فلسفي تمثل في المقابلة التقليدية بين ميلاد الأطفال ورحيل العجوز المصاب بالسرطان، أو بين الحياة والموت.
وقرب نهاية الفيلم، يبدأ السيناريو في تجميع الخطوط الدرامية والربط فيما بينها، حيث يتضح أن مديرة الحفل هي ابنة المريض المحتضر، وتصحبه إلى سطح المستشفى لكي يحقق أمنيته الأخيرة برؤية إنزال الكرة، في مشهد أداه دي نيرو - كالعادة - باقتدار، خاصة عندما يخلع قلنسوته لكي يستمتع بنسمة أخيرة من هواء نيويورك.. ونعرف أن الأم "كيم" هي الحبيبة المنتظرة للوريث الثري، التي كانت قد أعطته ميعادا في ليلة رأس السنة الماضية لكي يتقابلا بعد عام، وأنها شقيقة الشاب الذي ساعد "إنجريد" على تحقيق أحلامها، إلى آخره.. وهكذا تكتمل اللوحة التأثيرية ويتم البناء الأفقي للفيلم.
كان جاري مارشال قد قدم فيلم "عيد الحب"، الذي ينتمي لنفس النوعية، العام الماضي.. ويبدو أن نجاحه أغراه بتكرار التجربة مع نفس السيناريست، كاثرين فوجيت، وبنفس أسلوب حشد النجوم، إلى درجة أن هناك ممثلين شاركوا في الفيلمين، ومنهم أشتون كوتشر وجيسيكا بيل

مقالي عن فيلم "وهلأ لوين؟" في "القاهرة" 3 يناير

أسامة عبد الفتاح يكتب:
"وهلأ لوين؟".. أنشودة سينمائية للحياة والحب والسلام
** نادين لبكي صنعت فيلمها بحرية مطلقة فأصبح عملا ممتعا وأضاء مناطق غير مسبوقة سينمائيا
** نقطة الضعف تكمن في عدم اعتناء السيناريو برسم الشخصية الرئيسية وعلاقتها بالجنس الآخر
بعد عرض الفيلم الوثائقي "تحرير 2011" تجاريا في ديسمبر الماضي، في حدث سينمائي نادر بالسوق المصرية، شهدت الأيام الأخيرة من العام المنصرم حدثا مهما آخر يعد مؤشرا جديدا على التطورات الإيجابية بهذه السوق بعد الثورة، وهو عرض فيلم "وهلأ لوين؟"، للمخرجة والممثلة اللبنانية نادين لبكي، بدور العرض المصرية، وإن كان بعدد قليل من النسخ، على أساس أن الفيلم "أجنبي"، رغم أنه عربي، ورغم أن مصر مشاركة في إنتاجه، وهذه معضلة في حاجة إلى تفسير.
الفيلم إنتاج لبناني فرنسي مصري إيطالي مشترك، وتعدد جهات الإنتاج يجبر المرء على أن ينسب الفيلم لمخرجه، وبذلك يصبح "وهلأ لوين؟" لبنانيا، خاصة أنه ناطق باللهجة اللبنانية، وأحداثه تدور في لبنان.. غير أن ذلك ليس مبررا لاعتبار الفيلم أجنبيا لدى توزيعه في مصر، فالأفلام العربية يجب أن تحظى بمعاملة نظيرتها المصرية، ويجب أن يميزها أباطرة التوزيع المصريون عن الأفلام الأجنبية بحق، أو الأمريكية على وجه التحديد، خاصة إذا كانت متميزة وحاصلة على جوائز دولية، كما هي الحال مع فيلم نادين.
وفي كل الأحوال، فإن عرض الأفلام العربية تجاريا في مصر يعد حلما، ليس فقط للنقاد والمتابعين والمهتمين المصريين بشئون السينما، ولكن أيضا للسينمائيين العرب.. وأذكر أن المخرج التونسي رشيد فرشيو قال - في حوار أجريته معه منذ نحو 15 عاما - إن من بين أحلامه أن تخصص مصر ولو قاعة واحدة لعرض الأفلام العربية.. ولا شك أن عرض فيلم نادين الأول "سكر بنات"، ثم الثاني "وهلأ لوين؟"، في مصر، يعد بداية على طريق تحقيق الحلم.
سؤال بلا إجابة
اسم "وهلأ لوين؟" يعني: "والآن إلى أين؟"، ورغم أنه قد يبدو سخيفا أن أترجم اللهجة اللبنانية "العربية" إلى العربية، إلا أنني لم أجد مفرا من ذلك بعد أن وجدت أن معظم المصريين يسمون الفيلم "هلاوين"، وكأنه جزء من سلسلة أفلام الرعب الأمريكية الشهيرة، بمن في ذلك موظفو دار العرض التي شاهدته فيها، إلى درجة أن الخطأ طال لوحة ترخيص الرقابة التي تسبق عرض الفيلم.
تنطلق نادين لبكي من هذا السؤال البسيط، وبه تنهي فيلمها، في إشارة إلى أنه سيظل بلا إجابة، وإلى أننا سنظل نتساءل عن الطريق التي يجب أن نسلكها.. وبساطة السؤال تحكم الفيلم كله، حيث يختار صناعه تبني وجهة النظر البسيطة لبطلاته من النساء في مواجهة الحرب والكراهية وحمامات الدم، وتبني طريقتهن وحيلهن الصغيرة لوأد الفتنة الطائفية وتحقيق السلام لحماية أولادهن وأزواجهن وضمان استمرار الحياة كما عرفنها وعشنها.
من الممكن أن ترمز الضيعة اللبنانية النائية والمعزولة، التي تدور فيها أحداث الفيلم، إلى لبنان كله، أو إلى الوطن العربي كله، فنحن إزاء قرية مسالمة يتعايش فيها المسلمون والمسيحيون، ويتجاور فيها المسجد والكنيسة، ولا يربطها بالعالم الخارجي شيء بعد تحطم الجسر الواصل إليها، وكل ما يطمح إليه أهلها أن يعيشوا في سلام، بعيدا عن ويلات الحرب والسياسة، شأنهم شأن معظم العرب.. وللدلالة على معاناة الضيعة، توضح جملة حوارية بليغة أن أمواتها أكثر من أحيائها، وذلك ما يدفع نساءها للاستماتة دفاعا عمن تبقى من رجالهن.
حيل وألاعيب
تليفزيون وحيد في الضيعة ينقل أنباء فتنة طائفية قريبة، فتبدأ سلسلة حيل النساء لإخفائها عن الرجال حتى لا يمتد نزيف الدماء إلى قريتهن المسالمة، وتكون البداية بإفساد التليفزيون، ثم إحراق الصحف التي تتحدث عن الفتنة.. ولأن أخبارا كهذه لا يمكن التعتيم عليها طويلا، تبدأ المناوشات الطائفية في الضيعة، وتتصاعد، فتتصاعد معها حيل النساء لإطفاء النار، ومنها استقدام راقصات أوكرانيات لإلهاء الرجال.. ومع وصول الأزمة إلى الذروة بمصرع أحد شباب القرية المسيحيين برصاصة طائفية طائشة أثناء إحدى رحلات الموتوسيكل لشراء احتياجات الأهالي، تصل الحيل والألاعيب إلى ذروتها بدورها، حيث تقرر النساء - بمعرفة شيخ الجامع وقس الكنيسة - عمل مخبوزات بالحشيش وحبوب الهلوسة لتخدير الرجال حتى تتاح لهن فرصة دفن أسلحتهم لمنع الحرب.
أما المنطقة المضيئة وغير المسبوقة سينمائيا في أي فيلم آخر، فتكمن في الجزء الأخير، حين تلجأ النساء للحيلة الكبرى والأخيرة، حيث توحي المسلمات لأزواجهن وأولادهن أنهن تحولن إلى مسيحيات، ويبدأن في التصرف على هذا الأساس، بما في ذلك خلع الحجاب.. وتفعل المسيحيات العكس، بمن فيهن والدة الشاب المقتول، التي تواجه ابنها الآخر مرتدية الحجاب، وتقول له - في مشهد جميل أدته الممثلة كلود باز مصوبع باقتدار - إنه إذا كان يريد أن ينتقم لشقيقه فلينتقم منها هي، لأنها أصبحت من المسلمات!
ولا أريد أن يتهمني أحد بأنني "أحرق" الفيلم، لأن أي سرد للأحداث - أو حتى النهاية - لا يمكن أن يغني عن مشاهدة هذا العمل الممتع وتلقي طاقة الإبداع الهائلة التي تشع من معظم مشاهده بروح الكوميديا السوداء الساخرة التي تفجر الضحكات بقدر ما تدر الدموع، وهذا شأن الأعمال الفنية العظيمة التي تحاكي الحياة بكل ما فيها من متناقضات السعادة والحزن واليأس والأمل.
العبث المقبول
وقد رأى البعض أن أسلوب معالجة الفيلم لموضوعه ينطوي على عبث شديد، وخفة واضحة، رغم أن قضية الفتنة الطائفية المطروحة شديدة الجدية والأهمية، وهؤلاء أختلف معهم تماما، حيث أرى أن أسلوب العبث مناسب للغاية لعبث الحرب التي يدعو الفيلم لتجنبها.. وهنا تجب الإشارة إلى أن مشكلة الفتنة الطائفية في لبنان مختلفة عن مثيلاتها في أي دولة أخرى، حيث وصلت إلى حد الحرب الأهلية على مدى سنوات طويلة، وإلى حد الجنون والعبث الكامل، وبالتالي صار اتباع أسلوب العبث - لدى معالجتها سينمائيا - مقبولا.
استخدمت نادين لبكي خبرتها كمخرجة فيديو كليب في عمل إيقاع شديد الحيوية والتدفق للفيلم، لا يترك الملل يتسلل إلى المشاهدين لحظة واحدة.. وظهرت هذه الخبرة بشكل مباشر في إخراج أغنيتين بالفيلم، إحداهما حالمة اعتمدت فيها على القطع المتوازي بين الواقع والعلاقة المتخيلة بين شخصية السيدة المسيحية التي تؤديها بنفسها (آمال) وشاب مسلم، والأغنية الأخرى اختارت لها إيقاعا راقصا ومبهجا، حيث تؤديها نساء الضيعة وهن يصنعن المخبوزات بالحشيش، واسمها بالمناسبة "حشيشة قلبي".
حرية مطلقة
وأعجبتني الحرية المطلقة التي صنعت بها المخرجة فيلمها، من دون أي حساسيات أو حسابات دينية أو سياسية، ومن دون أي مضايقات رقابية، خاصة في المشهد الذي توجه فيه الأم المسيحية الثكلى كلامها بعنف إلى السيدة العذراء في الكنيسة، وتصرخ فيها لتلومها على عدم الحفاظ على ابنها، في حين أنها تحتضن ابنها هي - أي السيد المسيح - بين ذراعيها.. وهناك أيضا العديد من المشاهد التي تسخر من ادعاء البعض مخاطبة العذراء أو ظهورها لهم.
تكمن أبرز نقاط الضعف بالفيلم في السيناريو، الذي كتبته نادين بالاشتراك مع جهاد حجيلي ورودني حداد، ومنها أنه لم يعتن بالقدر الكافي برسم الشخصيات، خاصة شخصية "آمال" الرئيسية (نادين لبكي)، التي لا نكاد نعرف عنها شيئا، فضلا عن علاقتها الغائمة والغامضة ب"ربيع" المسلم، والتي لم تكن عادية وفي نفس الوقت لم ترق إلى مستوى قصة الحب وبدت مبتورة ومبتسرة.. وكان من المفترض في رأيي بذل المزيد من الجهد في إضافة أبعاد وأعماق أكثر للضيعة وقصتها وتاريخ معاناتها مع الفتنة أو غيرها، بدلا من الاكتفاء بوضع مقابر القتلى في الخلفية.
ورغم العيوب البسيطة، يعد "وهلأ لوين" تحفة سينمائية يندر أن يجود العرب بها، وأنشودة شجية وجميلة للحياة والحب والسلام، ودعوة عالية الصوت لنبذ الخلافات والصراعات وحقن الدماء، والأهم: التسامح والتعايش وقبول الآخر

مقالي عن فيلم "واحد صحيح" في "القاهرة" 1 فبراير


أسامة عبد الفتاح يكتب:

"واحد صحيح".. تحضير لروح "سهر الليالي"

** ينتمي لجيل جديد من أفلام "السبكية" يقوم على نفس توليفتهم الرابحة لكن يتمتع بمظهر عصري أنيق ومستوى تقني عال

** تامر حبيب لا يزال يدور في فلك مصر البورجوازية التي لا تنشغل سوى بغراميات الأغنياء وانحرافهم الأخلاقي



في أكثر من مناسبة، روى السيناريست تامر حبيب حكايته مع زميله الكبير وحيد حامد، عندما نصحه الأخير بأن ينسى نجاح فيلمه "سهر الليالي" (2003) لكي يستطيع أن يمضي قدما.. وفي كل مرة، كان يبدو على حبيب أنه مقتنع بالنصيحة، لكنه - في كل فيلم تال - لم يكن ينفذها، بل كان يحاول استنساخ "سهر الليالي"، أو تحضير روحه طمعا في تكرار النجاح، ولم يكن ذلك يحدث للأسف، ورغم ذلك لم يتوقف حبيب عن المحاولة، وكأنه "سيزيف" الذي لا يكف عن حمل الصخرة والصعود بها إلى قمة الجبل، رغم أنها في كل مرة تعود للانحدار وتهوي إلى السفح!

وينسحب ذلك على فيلمه الأخير "واحد صحيح"، المعروض حاليا في دور السينما، الذي لا يعدو كونه عملية استنساخ جديدة.. ولا أقصد الشكل، فهو يتغير، ولا حتى القصة والخطوط الدرامية والشخصيات، بل أقصد الأهم: المضمون، و"التيمة" أو الموضوع، والمشروع الذي يعمل عليه حبيب، إن كان لديه مشروع.

حتى الآن، يدور تامر حبيب - في كل أفلامه - في فلك مصر البورجوازية، التي تبدو وطنا آخر غير الذي تربينا فيه ونعرفه جيدا، والتي لا يعيش فيها إلا الأثرياء التافهين ورجال الأعمال ومحدثي النعمة، الذين لا يشغلهم شيء سوى أزماتهم العاطفية وعلاقاتهم الغرامية ومغامراتهم الحسية والجنسية، والذين لا يعانون إلا من الانحلال الأخلاقي والخيانة والفراغ العاطفي، وكأنه لا توجد في مصر - أو العالم - قضايا أخرى يمكن تناولها.. لم يناقش قضية اجتماعية واحدة، لم يرصد أي تحول أو تطور أو ظاهرة في المجتمع الذي يعيش فيه، لم يساهم - مثل الكثيرين من أبناء جيله من الكتاب - في تشريحه أو تحليله، واكتفى بالقشور المحيطة بنماذجه المريضة التافهة.

لا يخرج "واحد صحيح" عن هذه الحدود الضيقة، ولكي تكتمل "طبخته" الحريفة، كان لابد من بعض المنكهات والبهارات التقليدية المعروفة، وهي هنا كثيرة، وسبق تقديمها في عشرات الأعمال السابقة، ومنها علاقة الحب بين شاب مسلم وفتاة مسيحية، والزوج الشاذ جنسيا.. وهكذا أصبح جديرا بأن ينتمي للجيل الجديد من أفلام "السبكية" (الفيلم من إنتاج كريم أحمد السبكي)، وهو جيل يقوم على نفس توليفتهم التجارية الرابحة لكن يتمتع بمظهر عصري أنيق، ومستوى تقني عال.

عصر الحريم

نحن إزاء سينما الرجل "الدونجوان"، الذي تحوم حوله النساء مثل الفراشات، وما إن تقترب من "نوره" حتى تحترق، وهي "تيمة" قديمة مهترئة، قتلت بحثا من قبل في مصر وخارجها، فضلا عن كونها شديدة السلبية، وتعود بالنساء إلى عصر الحريم، إذ لا ترى فيهن سوى أداة لإمتاع الرجل وتحقيق رغباته.. كل نساء الفيلم لا هدف لهن سوى الفوز بالبطل، حتى علاقة الصداقة الجميلة التي قدمها الفيلم في بداياته بين مهندس الديكور البطل "عبد الله" (هاني سلامة) والمصورة "نادين" (بسمة)، تكفل السيناريست بإفسادها قرب النهاية، حيث يتضح أنها تحبه هي الأخرى، وأن ذلك كان السبب الرئيسي في طلاقها من زوجها "فادي" (عمرو يوسف)، صديق وشريك "عبد الله".

ورغم تقديم شخصيات مثقفة (مصورة، مذيعة، طبيبة أمراض نساء، ومربية في كنيسة)، إلا أننا لا نرى منها سوى جانب الوله بالبطل، ولا نكاد نعرف عنها شيئا، حيث تبدو وكأنها قطفت من أشجار، من دون أي محاولة لتعميقها أو إضافة أي أبعاد لها، باستثناء الطبيبة "فريدة" (رانيا يوسف) التي نرى لها أما وأختا فقيرتين يقتصر دورهما على ابتزازها وزوجها ماديا و"الشحاتة" منهما، وتتحمل الأم من أجل ذلك إهانات لا تعقل ولا تصدق من ابنتها.. والغريب أن الجزء البذيء من هذه الإهانات توجهه "الدكتورة" لأمها أمام زوجها، وهو ما لا يمكن أن يحدث، ففي هذه الأوساط قد تتطاول محدثة النعمة على أمها في السر، لكن يصعب أن تفعل ذلك أمام زوجها، الذي قدمت التضحيات وقبلت أن تعيش معه رغم شذوذه لترتقي وتصعد اجتماعيا، لأن تصرفا كهذا ينسف صعودها الاجتماعي من أساسه.

ولا أعرف حقا إلى أي نوع من الطبيبات تنتمي هذه الشخصية التي تمارس كل أنواع الانحراف، فهي تقيم علاقة جنسية خارج مؤسسة الزواج، وتشرب الخمر حتى الثمالة، وتدخن بشراهة، وتشم الهيروين بالمرة، ولا ينقصها سوى أن تتاجر في الأسلحة والمخدرات لكي تتحول إلى كيان إجرامي متكامل.. ولا تسأل على سبيل المثال: كيف تجري هذه الطبيبة المدمنة السكيرة العمليات الجراحية، فهذه الأسئلة "الساذجة" لا توجه إلى مثل هذه الأفلام "الطليعية".

إقحام للدين

وفي العلاقة المحرمة بين الطبيبة والبطل، يعود السيناريست إلى خط درامي كان استخدمه في فيلم "سهر الليالي"، حيث كانت هناك علاقة مماثلة بين الزوجة المحبطة (جيهان فاضل) والشاب "البلاي بوي" (أحمد هارون)، والفارق الوحيد أن إحباطها كان بسبب برود زوجها جنسيا، في حين أن الإحباط في فيلمنا عائد إلى شذوذ الزوج.. ويمتد الاستنساخ إلى شخصية "الدون جوان" نفسها، التي كان فتحي عبد الوهاب قدمها في "سهر الليالي" أيضا.

وكعادة هذه التوليفات السينمائية التجارية، يتم إقحام الدين، ولا مشكلة في ذلك إن كان يجري بعمق وبما يخدم الدراما، لكن صناع "واحد صحيح" يقحمون الدين بشكل شديد السطحية ليس له علاقة بدراما الفيلم، حيث نتابع - فجأة ومن دون مقدمات - مشهدا تؤدي خلاله المذيعة المتحررة "مريم" (ياسمين رئيس) الصلاة، من دون أي مشاهد سابقة أو لاحقة تؤصل هذا الخط الدرامي وتطوره.. وربما قصد السيناريست أن يصنع معادلا موضوعيا لشخصية الفتاة المسيحية المتدينة "أميرة" (كندة علوش)، لكن ذلك بدوره غير واضح، وليس هناك أي رابط بين الشخصيتين سوى أن مشروع ارتباط البطل بكلتيهما يفشل!

وبعد هذا الفشل، وبعد أن تخسر الطبيبة "السوبر" العشيق والزوج معا كما هو متوقع، لا يتبقى للبطل إلا الصديقة التي تحولت إلى حبيبة.. لكن لا يمكنني رغم ذلك أن أقول إن الفيلم يدور حول البحث عن الحب الحقيقي، لأن "الدون جوان" لا يكتشف أنها تحبه وتعتبره أكثر من صديق إلا فيما يشبه الصدفة، أضعف الحيل الدرامية، ويندهش لذلك بشدة (!)، أي أن صناع الفيلم لم يبذلوا أي مجهود لبناء العلاقة، والإيحاء للمشاهد بأنه يبحث عن الحب الحقيقي بينما هو قريب منه.

نجاح تقني

لم ينقذ الفيلم من الغرق الكامل سوى الجانب التقني، بقيادة المخرج هادي الباجوري في أولى تجاربه الروائية الطويلة، وبجهود مجموعة متميزة من الفنيين، أبرزهم أحمد المرسي في التصوير وفهد في الموسيقى، وإن كنت آخذ على الباجوري موافقته على تنفيذ السيناريو مع وجود العيوب المذكورة، من دون أي محاولة لإصلاحها أو لوضع رؤيته وبصمته الشخصية.

كما بذل الممثلون مجهودا كبيرا لأداء الشخصيات في ظل نمطية بعضها، وقصور رسم البعض الآخر، وتميز أداء معظمهم، خاصة ياسمين رئيس، التي تؤكد لثاني فيلم على التوالي (بعد "إكس لارج") أنها وجه له مستقبل.. أما هاني سلامة، فقد تخلص أخيرا من طريقة أدائه المعهودة التي تعتمد على "التبريق" بالعينين، وأصبح أنضج وأبسط وأكثر التزاما بالشخصية التي يؤديها، ونرجو أن يستمر على ذلك